محمد حسين هيكل
133
حياة محمد ( ص )
الفصل التّاسع بيعتا العقبة رد القبائل لمحمد ردا غير جميل - بشائر الفوز من ناحية يثرب - صلات اليهود بالأوس والخزرج - إسلام بعض اليثربيين - وقعة بعاث - بيعة العقبة الصغرى - مصعب بن عمير - عودة مع الحاج إلى مكة بعد عام - المسلمون من يثرب - بيعة العقبة الكبرى - أنباؤها عند قريش - ائتمار قريش بمحمد كي تقتله - إذن محمد لمسلمي مكة في الهجرة إلى يثرب . تضعضع المسلمين بعد الإسراء لم تدرك قريش معنى الإسراء ، ولم يدرك كثير ممن أسلموا معناه الذي قدّمنا ، لذلك انصرف جماعة من هؤلاء عن متابعة محمد بعد أن اتبعوه زمنا طويلا . ولذلك ازدادت مساآت قريش لمحمد وللمسلمين حتى ضاقوا بها ذرعا . ولم يبق لمحمد رجاء في نصرة القبائل إيّاه بعد إذ ردّته ثقيف من الطائف بشرّ جواب ، وبعد إذ ردّته كندة وكلب وبنو عامر وبنو حنيفة لمّا عرض نفسه عليهم في موسم الحج . وشعر محمد بعد ذلك كله بأنه لم يبق له مطمع في أن يهدي إلى الحق من قريش أحدا . ورأت غير قريش ، من القبائل التي تجاور مكة والتي تجيء من مختلف أنحاء بلاد العرب حاجّة إليها ، ما صار إليه من عزلة ، وما أحاطته به قريش من عداوة تجعل كل نصير له عدوّا لها وعونا عليها ، فإزدادت إعراضا عنه . ومع اعتزاز محمد بحمزة وعمر ، ومع طمأنينته إلى أن قريشا لن تنال منه أكثر مما نالت لمنعته بقومه من بني هاشم وبني عبد المطلب ، لقد رأى رسالة ربه تقف في دائرة من اتبعه إلى يومئذ ممن يوشكون لقلتهم ولضعفهم أن يبيدوا أو أن يفتنوا عن دينهم إذا لم يأتهم نصر اللّه والفتح . وتطاولت الأيام بمحمد وهو يزداد بين قومه عزلة وقريش تزداد عليه حقدا . فهل ضعضعت هذه العزلة من نفسه أو أوهنت له عزما ؟ ! ثبات محمد كلا ! بل زاده الإيمان بالحق الذي جاءه من ربه سمّوا على هذه الاعتبارات التي تفتّ في عضد ذوي النفوس العادية ، ولا تزيد أصحاب النفوس الممتازة إلا سموّا وإيمانا . وظلّ محمد ، وأصحابه من حوله ، أشدّ ما يكون في عزلته ثقة بنصر اللّه له وإعلاء دينه على الدين كله . لم تزعزع منه أعاصير الحقد ، بل جعل يقيم بمكة طوال عامه لا يعنيه أن ذهب مال خديجة وماله ، ولا يضعضع من نفسه ضيق ذات يده ، ولا يتطّلع بروحه إلى شيء غير هذا النصر الذي لا ريب عنده في أن اللّه مؤتيه إياه . فإذا جاء موسم الحج واجتمع الناس من